عبد الملك الجويني
83
نهاية المطلب في دراية المذهب
والوجه القطع بأنه إذا لم يكن مواطأة ، فلا قصاص عليهم أصلاً ، والسبب فيه أن فعل كل واحد في نفسه ليس عمداً مقتضياً للقود ، فإذا فرضنا ذلك من جميع ، فلا جمعَ نفرض الكلام فيهم من هؤلاء إلا وهم شركاء واحدٍ يشار إليه ، وفعلُه ليس عمداً في نفسه ، ولا قصاص على شركاء الخاطىء ، ولا على شركاء صاحب شبه العمد ، فكيف ينساغُ تقدير [ العمد فيما ذكرناه ] ( 1 ) ، ولا يصير إلى إيجاب القود من غير تواطؤ إلا مستهينٌ [ بقواعد ] ( 2 ) المذهب ، أو غيرُ دَرِب بها . فأما إذا تواطؤوا ، فيجب أن يكون في وجوب القود وجهان : أحدهما - أنه لا يجب القصاص ، وهو القياس ؛ لأن إيجابه يؤدي إلى إيجاب القصاص على شركاء شبه العمد ، وهذا [ لا دراء له ] ( 3 ) ، وليس كما لو جرح كلُّ واحد جراحةً ؛ فإن القصاص إنْ وجب عليهم ، فكل واحد منهم عامد ، وشركاؤه عامدون مشاركون عامداً ، ولا بُعد في إيجاب القصاص على شريك العامد . ومن صار إلى أن القصاص يجب عليهم إذا [ تواطؤوا ] ( 4 ) ، احتج بأن هذا قصدٌ من جميعهم - بطريق التواطؤ - إلى القتل ، فصاروا كالقاصد الواحد إذا والى عليه بالسياط ، وقد يتعلق هؤلاء أيضاً بالقاعدة الكلية في إفضاء نفي القصاص عنهم إلى الهرْج . وهذا قد يجاب عنه بأن تواطؤ مائة أو مائتين على أن يضرب كل واحد سياطاً معدودةً غريب في التصوير ، والذريعةُ هي التي يسهل تصورُها ويهون إمكانها ، ويعم وقوعها . وما ذكرناه من أن التواطؤ يجعل المقصود كالقصد الواحد يعضده ويؤيده أن الرجل [ لو والى بين ] ( 5 ) السياط حتى يفضي إلى الإهلاك ، فالقصاص يجب وفاقاً ، وكل ضربة لا تتصف بكونها عمداً محضاً في القتل .
--> ( 1 ) في الأصل : " العود ما ذكرناه " . ( 2 ) زيادة لا يستقيم الكلام بدونها . ( 3 ) في الأصل : " لا داكه " . ( 4 ) في الأصل : " إذا باطوا " بهذا الرسم . ( 5 ) في الأصل : " ولو دابين " ( كذا تماماً ) .